مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي
58
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )
وأمّا الكتاب فقد نوقش فيه بأنّ المقصود من المحاسبة في قوله تعالى : ( يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) المحاسبة على الأفعال النفسية التي قام الدليل على تحريمها ، كالشرك باللّه الذي لا يختلف الحكم بتحريمه بين إبدائه أو إخفائه ، فليس هذا القبيل من الآيات عامة شاملة لكلّ نيّة معصية . وهذه المناقشة إن قصد بها التمثيل بالشرك فلا بأس بها ، وإن قصد بها تعيّنه دون غيره فلا يساعد عليها قوله تعالى في ذيل الآية المذكورة : ( فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ) « 1 » ؛ إذ لو كان المقصود من الإبداء والإخفاء هو الشرك لما صحّ تعقيبه بهذه الجملة ؛ لأنّ المغفرة لا تشمل الشرك ؛ لقوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ) « 2 » . وأمّا الروايات فهي معارضة بروايات أخرى بعضها دال على العفو عن العزم على المعصية كقول أبي عبد اللّه عليهالسلام في رواية جميل بن درّاج : « إذا همّ العبد بالسيّئة لم تكتب عليه ، وإذا همّ بحسنة كتبت له » « 3 » ، وبعضها دالّ على عدم استحقاق العقاب عليه ، كرواية مسعدة بن صدقة عن جعفر ابن محمّد عليهالسلام قال : « لو كانت النيّات من أهل الفسق يؤخذ بها أهلها إذاً لُاخذ كلّ من نوى الزنا بالزنا ، وكلّ من نوى السرقة بالسرقة ، وكلّ من نوى القتل بالقتل ، ولكنّ اللّه عدل كريم ليس الجور من شأنه ، ولكنّه يثيب على نيّات الخير أهلها وإضمارهم عليها ، ولا يؤاخذ أهل الفسق حتى يفعلوا . . . » « 4 » . وقد حاول جماعة الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات بوجوه مختلفة : الأوّل : حمل ما دلّ على العفو على من ارتدع عن المعصية بنفسه ، وحمل ما دلّ على المؤاخذة على من بقي على قصده حتى عجز عن الفعل لا باختياره « 5 » . ولعلّه يومئ إليه قول أبي عبد اللّه عليهالسلام في رواية أبي بصير : « . . . وإنّ المؤمن ليهمّ بالسيّئة أن يعملها فلا يعملها ، فلا تكتب
--> ( 1 ) البقرة : 284 . ( 2 ) النساء : 48 ، 116 . ( 3 ) الوسائل 1 : 52 ، ب 6 من مقدّمة العبادات ، ح 10 . ( 4 ) الوسائل 1 : 55 ، ب 6 من مقدّمة العبادات ، ح 21 . ( 5 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 48 .